اقرأ قبل أن تزور

المسجد الجامع بقرطبة

بقلم د. عبدالمجيد بن محمد المدرع

أقواس المسجد الجامع بقرطبة المزدوجة بحجارتها الحمراء والبيضاء
صورة: Benjamin Smith · CC BY-SA 4.0

أولًا: مكانة الجامع عند المؤرخين

افتتح المقري حديثه عن الجامع بقوله: «وأمّا مسجد قرطبة فشهرته تغني عن كثرة الكلام فيه». ثم نقل عن بعض المؤرخين: «ليس في بلاد الإسلام أعظم منه، ولا أعجب بناء وأتقن صنعة» (نفح الطيب ١/ ٥٤٥). ووصفه الحميري بأنه «من أجل مصانع الدنيا كبر مساحةٍ، وأحكام صنعةٍ، وجمال هيئةٍ، وإتقان بنيةٍ؛ تهمم به الخلفاء المروانيون، فزادوا فيه زيادةً بعد زيادة» (صفة جزيرة الأندلس، ص ١٥٣).

ثانيًا: التأسيس

قال المقري: «وكان الذي ابتدأ بنيان هذا المسجد العظيم عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل، ولم يكمل في زمانه، وكمله ابنه هشام» (١/ ٥٤٥). ونقل في الصفحة التالية روايةً بأن الداخل أنفق على الجامع ثمانين ألف دينار، وأنه «اشترى موضعه إذ كان كنيسة بمائة ألف دينار»، وختمها بقوله: «فالله تعالى أعلم» (١/ ٥٤٦). ويلخص عنان عمل هشام بأنه «عنى بإتمام مسجد قرطبة الجامع الذي بدأ بإنشائه أبوه وتوفي قبل إتمامه» (عنان ١/ ٢٢٨).

ثالثًا: الزيادات

١) عبد الرحمن الأوسط: يقول عنان إنه «زاد في مسجد قرطبة الجامع بهوين جديدين من جانب القبلة، وقام على عمارته الفتى نصر» (١/ ٢٧٨).

٢) عبد الرحمن الناصر: بنى الصومعة. ونقل المقري عن صاحب «مجموع المفترق» أن ارتفاعها «ثلاثة وسبعون ذراعاً إلى أعلى القبّة المفتّحة التي يستدير بها المؤذن» (١/ ٥٤٧). ونقل أيضًا أن في رأسها تفافيح من ذهب وفضة (١/ ٥٤٨).

٣) الحكم المستنصر: زيادته أبهى الزيادات، ولابن عذاري فيها حوليات دقيقة نقلها عن ابن حيان:

- إكمال القبة: «وفيها، كملت القبة المبتناة على المحراب في الزيادة بالمسجد، وذلك في شهر جمادى الآخرة منها».

- الفسيفساء: «وفيها، شرع في تنزيل الفسيفساء بالمسجد الجامع؛ وكان ملك الروم بعث بها إلى الخليفة الحكم». وقد طلب الحكم الصانع نفسه «افتداء بما فعله الوليد بن عبد الملك في بنيان مسجد دمشق»، فجاءه ومعه ثلاثمائة وعشرون قنطارًا من الفسيفساء هديةً (البيان المغرب ٢/ ٢٣٧).

- تلاميذ الصانع: جعل الحكم مع الصانع مماليك يتعلمون منه، فأتقنوا الصنعة حتى استغنوا عنه وانصرف إلى بلاده.

- أعمدة المحراب القديم: لما زار الحكم الزيادة «أمر بإقلاع السواري الأربع التي كانت في عضادة المحراب القديم... وصيانتها إلى أن توضع في المحراب الجديد».

- المقصورة: نُصبت مقصورة من خشب، طولها خمسة وسبعون ذراعًا، وفُرغ منها في رجب سنة ٣٥٥هـ (٢/ ٢٣٨).

ولا تصرّح الصفحة بسنة إكمال القبة وبدء الفسيفساء، وسياق الحوليات يجعلها السنة السابقة لسنة ٣٥٥هـ، أي ٣٥٤هـ. وهذا استنتاج منا من السياق.

وتنسب روايةٌ أخرى الفسيفساء إلى الناصر لا إلى الحكم، إذ يقول الحميري: «وفيها من الفسفساء المذهب والملون ما بعث به صاحب القسطنطينة العظمى إلى عبد الرحمن الناصر لدين الله» (صفة جزيرة الأندلس، ص ١٥٤). ورواية ابن عذاري المؤرَّخة بالشهور أولى بالاعتماد في نظرنا.

ومن أخبار هذه الزيادة أيضًا خبر القبلة، وقد بقي نصه في المقري ناقصًا أوله في الصفحة التي رجعنا إليها. ومفاده أن الحكم همّ بتعديل قبلة زيادته على قبلة أبيه الناصر في جامع الزهراء، «لأن أهل التعديل يقولون بانحراف قبلة الجامع القديمة إلى نحو الغرب». فقال له الفقيه أبو إبراهيم: «إنّه قد صلى إلى هذه القبلة خيار هذه الأمّة من أجدادك الأئمة وصلحاء المسلمين وعلمائهم، منذ افتتحت الأندلس... وإنّما فضل من فضل بالاتّباع، وهلك من هلك بالابتداع»، فأجابه الخليفة: «نعم ما قلت، وإنّما مذهبنا الاتّباع» (نفح الطيب ١/ ٥٦٢). ولهذا بقي المحراب على انحرافه المعروف، وهي ملاحظة يحسن أن يقف عندها الزائر أمام المحراب.

٤) المنصور بن أبي عامر: زاد في الجامع سنة ٣٧٧هـ لما ضاق بالناس، وجاءت زيادته من الجهة الشرقية لأن الجهة الغربية متصلة بقصر الخلافة. وقصد فيها، كما نقل المقري، «المبالغة في الإتقان والوثاقة، دون الزخرفة» (١/ ٥٤٨–٥٤٩). ونقل المقري عن ابن بشكوال خبرين من هذه الزيادة (١/ ٥٤٦–٥٤٧):

- الأول أن أسرى النصارى عملوا في البناء «مصفّدين في الحديد».

- الثاني خبر صاحبة الدار ذات النخلة، فقد قالت: «لا أقبل عوضاً إلاّ داراً بنخلة»، فقال المنصور: «تبتاع لها دار بنخلة، ولو ذهب فيها بيت المال».

رابعًا: الأرقام والعجائب

اختلفت المصادر في أرقام الجامع، وهذا بعض ما نقله المقري:

- الأعمدة: ألف ومائتان وثلاثة وتسعون عمودًا كلها من الرخام، بحسب «مجموع المفترق» (١/ ٥٤٧). وألف وأربعمائة وتسع سوار، منها مائة وتسع عشرة داخل المقصورة، بحسب ابن سعيد نقلًا عن ابن بشكوال (١/ ٥٥٠).

- المصحف: كان في بيت المنبر مصحف قيل إنه مصحف عثمان رضي الله عنه، «عليه حلية ذهب مكلّلة بالدر والياقوت» (١/ ٥٤٨).

- المنبر: من الآبنوس والصندل وسائر الخشب الكريم، وعدد درجه تسع (١/ ٥٥١).

- الساباط: كان باب واحد في القبلة متصلًا «بالساباط المفضي إلى قصر الخلافة»، ومنه كان السلطان يخرج إلى صلاة الجمعة (١/ ٥٥٠).

ومن أجمل ما نقله المقري رسالة ابن صاحب الصلاة في وصف الجامع ليلة القدر، وفيها: «كأن شرفاته فلول في سنان، أو أشرٌ في أسنان» (١/ ٥٥٢).

خامسًا: الجامع اليوم

يقول عنان إن الجامع ما زال قائمًا «بسائر عقوده الإسلامية، وأروقته ومحاريبه». ويقول إنه «حول منذ القرن السادس عشر إلى كنيسة»، وإنه «ما زال يحمل بالإسبانية اسمه الإسلامي القديم "المسجد الجامع"» (١/ ٢٧٨). والأدق أن الجامع كُرّس كنيسةً منذ سقوط قرطبة سنة ٦٣٣هـ/ ١٢٣٦م، وأن القرن السادس عشر هو زمن بناء الكنيسة الكبرى في وسطه. وهذا تصحيح منا يحسن التنبيه عليه في الحاشية. ويذكر عنان أيضًا أن برج الأجراس أُقيم مكان منارة الناصر (١/ ٢٧٩).

سادسًا: مسار مقترح

١) الدخول من باب الغفران، ثم صحن النارنج والنظر إلى برج الأجراس.

٢) بيت الصلاة من الغرب إلى الشرق: بلاطات الداخل، ثم زيادة الأوسط، ثم زيادة الحكم، ثم زيادة المنصور.

٣) الوقوف طويلًا أمام المحراب والقباب الثلاث أمامه.

٤) الخروج للطواف بالأبواب الأموية الخارجية، ثم النزول إلى القنطرة على الوادي الكبير.

وإن أردت الوقوف في الجامع بلا زحام فاقصد الساعة المجانية في الصباح الباكر.

المصادر

  1. نفح الطيب (المقري، ت إحسان عباس) — الشاملة رقم ١٠٠٢

    ١/ ٥٤٥–٥٥٢ (page_id 564–٥٧١)؛ ١/ ٥٦٢ (page_id 581)

    باب «مسجد قرطبة»: التأسيس، الزيادات، الأرقام، خبر الدار ذات النخلة، رسالة ابن صاحب الصلاة. الترقيم ترقيم المطبوع كما تعرضه الشاملة (ليس آليًّا)

  2. البيان المغرب (ابن عذاري) — الشاملة رقم ١١٧٨٢

    ٢/ ٢٣٧–٢٣٨ (page_id 545–٥٤٦)؛ ٢/ ٢٨٧ (مقتطف)

    حوليات زيادة الحكم: القبة، الفسيفساء البيزنطية، المقصورة؛ زيادة المنصور سنة ٣٧٧

  3. صفة جزيرة الأندلس (الحميري) — الشاملة رقم ١٣٤٤

    ص ١٥٣–١٥٤

    وصف الجامع ونسبة الفسيفساء إلى الناصر (رواية مخالفة)

  4. دولة الإسلام في الأندلس (محمد عبد الله عنان) — الشاملة رقم ١٠٠٩

    ١/ ٢٢٨؛ ١/ ٢٧٨–٢٧٩

    إتمام هشام، زيادة عبد الرحمن الأوسط، حال الجامع اليوم