اقرأ قبل أن تزور
مدينة الزهراء (قرطبة)
بقلم د. عبدالمجيد بن محمد المدرع

أولًا: قصة التأسيس
يذكر عنان أن الرواية تنسب بناء الزهراء إلى جارية الناصر وحظيته «الزهراء»، وخلاصتها أن الناصر ورث مالًا من إحدى جواريه فخصّصه لافتداء الأسرى، فلم يجد أسرى يفتديهم، فأشارت عليه الزهراء أن يبني به مدينة تحمل اسمها. وهو يحيل في ذلك على «نفح الطيب» (عنان ١/ ٤٣٦). ثم يعقّب: «بيد إنا نفضل أن نرجع مشروع الناصر إلى بواعث الملك والسياسة». ويورد أبياتًا قال إنها «نسبت إلى الناصر»، منها: «همم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبألسن البنيان» (١/ ٤٣٦).
ثانيًا: البناء بالأرقام
نقل المقري عن ابن حيان: «ابتدأ الناصر بناء الزهراء [أول] يوم من محرم سنة ٣٢٥، وجعل طولها من شرق إلى غرب ألفين وسبعمائة ذراع» (نفح الطيب ١/ ٥٢٦). والمعقوفان لتصويب كلمة وردت في نص الشاملة مصحّفة «ألو». وعلّق المقري على تكسيرها: «كذا نقله بعضهم، وللنظر فيه مجال». ونقل أيضًا: «كان يتصرّف في عمارة الزهراء كل يوم من الخدام والفعلة عشرة آلاف رجل، ومن الدواب ألف وخمسمائة دابة»، وأن الناصر كان يجيز على كل رخامة صغيرة أو كبيرة عشرة دنانير (١/ ٥٢٦).
وأما مصادر الرخام فهي، كما في النص نفسه:
- الرخام الأبيض من المرية.
- المجزّع من رية.
- الوردي والأخضر من إفريقية، من إسفاقس وقرطاجنة.
ونقل المقري في موضع آخر أن العمل استمر من سنة ٣٢٥هـ «إلى آخر دولة الناصر وابنه الحكم» (١/ ٥٦٥). ويقول عنان إن الزهراء صارت منزل الخلافة منذ تمّ القصر والمسجد سنة ٣٢٩هـ (١/ ٤٣٨). ويذكر أن الناصر عهد إلى ولي عهده الحكم بالإشراف على البناء (١/ ٤٣٧). ويذكر أيضًا أن مسجد الزهراء «تم بناؤه في ثمانية وأربعين يوماً»، وكان يعمل فيه كل يوم ألف من العمال والصناع (١/ ٤٣٨). ونقل المقري خبرًا يدل على أن قبلة جامع الزهراء عُدّلت على خلاف قبلة جامع قرطبة القديم، «لأن أهل التعديل يقولون بانحراف قبلة الجامع القديمة إلى نحو الغرب» (نفح الطيب ١/ ٥٦٢). وانحراف المسجد عن محور القصر ظاهر للزائر اليوم.
ثالثًا: مجلس الخلافة وصهريج الزئبق
هذا أعجب ما رُوي عن الزهراء. نقل المقري أن الناصر بنى «المجلس المسمّى بقصر الخلافة»، وأن في وسطه «صهريج عظيم مملوء بالزئبق»، وفي كل جانب منه ثمانية أبواب «قد انعقدت على حنايا من العاج والآبنوس المرصّع بالذهب وأصناف الجواهر». ووصف أثر الزئبق فقال: «وكان الناصر إذا أراد أن يفزع أحداً من أهل مجلسه أومأ إلى أحد صقالبته فيحرّك ذلك الزئبق فيظهر في المجلس كلمعان البرق من النور». ثم قال: «وقيل: إن هذا المجلس كان يدور ويستقبل الشمس» (١/ ٥٢٧).
ونقل كذلك أن الحوض المنقوش المذهّب جُلب من الشام، وقيل من القسطنطينية، وأن الناصر نصبه «في وسط المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس، ونصب عليه اثني عشر تمثالاً» (١/ ٥٢٦–٥٢٧). وهذه أخبار رواة تحمل طابع المبالغة، وتبقى المكتشفات الأثرية هي الحَكَم في تفاصيلها.
رابعًا: شهادة معاصر
ينقل عنان عن الرحالة ابن حوقل، وقد زار الزهراء في عهد الحكم، أن العمارة اتصلت بينها وبين قرطبة، وأن لها مسجدًا جامعًا دون جامع قرطبة، وأن «على سورها سبعة أبواب حديد». ويختم ابن حوقل بملاحظة لافتة: «وإن لم يكن لها في عيون كثير من الناس حسن بارع» (عنان ١/ ٤٣٩، نقلًا عن المسالك والممالك ص ٧٨).
خامسًا: الخراب والرثاء
يذكر عنان مرحلتين في تراجع الزهراء:
- الأولى سياسية: نقل المنصور بن أبي عامر دواوين الدولة إلى مدينته الزاهرة سنة ٣٦٨هـ، ففقدت الزهراء صفتها الرسمية.
- الثانية الخراب: في ربيع الأول سنة ٤٠١هـ اقتحمها البربر مع سليمان المستعين، «وأحرقوا المسجد والقصر» (١/ ٤٣٩–٤٤٠).
ومن الشعر الذي قيل في رثائها:
- السميسر، فيما نقله المقري: «وقفت بالزّهراء مستعبراً ... معتبراً أندب أشتاتا / فقلت: يا زهرا ألا فارجعي ... قالت: وهل يرجع من ماتا؟» (١/ ٥٢٧).
- ابن زيدون، فيما نقله عنان: «ألا هل إلى الزهراء أوبة نازح ... تقضت مبانيها مدامعه نزحا».
- أبيات قال ابن عربي إنه قرأها على بعض جدرانها بعد خرابها، ومنها: «فقلت على ماذا تنوح وتشتكي ... فقال على دهر مضى ليس يرجع». ونقلها عنان عن «محاضرة الأبرار» (١/ ٤٤٠–٤٤١). ولم نطّلع على الكتاب نفسه.
سادسًا: الحفريات
يذكر عنان أن الحفريات بدأت سنة ١٩١٠م، وأن المجلس الكبير كُشف سنة ١٩٤٤م ثم أُعيد تركيبه من أنقاضه (١/ ٤٤٣). ويقسم الأطلال ثلاث مجموعات متدرجة: القصر والمقام الخاص في الأعلى، ثم مساكن الحاشية والحرس، ثم الأفنية الكبرى في الأسفل. وقد زار عنان الموقع آخر مرة في مايو ١٩٦٣م، فما بعد ذلك من ترميم، ومن إدراج الموقع في التراث العالمي سنة ٢٠١٨م، خارج عن كتابه.
سابعًا: مسار مقترح
١) المتحف عند المدخل، ومدته نحو أربعين دقيقة.
٢) الحافلة أو الممشى إلى الأطلال.
٣) الباب الشمالي، ثم دار الجند، ثم الممر المنحدر.
٤) دار جعفر والمساكن الخاصة.
٥) الشرفة المطلة على البساتين، ثم المجلس الكبير والحديقة العليا.
٦) موضع المسجد الجامع.
وخير وقت للزيارة الصباح الباكر، والمساء في الصيف، اتقاءً للحر.
المصادر
دولة الإسلام في الأندلس (محمد عبد الله عنان) — الشاملة رقم ١٠٠٩
١/ ٤٣٦–٤٤٤ (page_id 428–٤٣٦)
قصة التأسيس، الأرقام، شهادة ابن حوقل، الخراب سنة ٤٠١، أشعار ابن زيدون وابن عربي، الحفريات. الترقيم ترقيم المطبوع كما تعرضه الشاملة (ليس آليًّا)
نفح الطيب (المقري، ت إحسان عباس) — الشاملة رقم ١٠٠٢
١/ ٥٢٦–٥٢٧ (page_id 545–٥٤٦)؛ ١/ ٥٦٢؛ ١/ ٥٦٥ (مقتطف)
رواية ابن حيان في بدء البناء، عدد العمال، مصادر الرخام، مجلس الخلافة وصهريج الزئبق، بيتا السميسر
البيان المغرب (ابن عذاري) — الشاملة رقم ١١٧٨٢
٢/ ٢٣١ (مقتطف بحث فقط)
ذكر جملة النفقة على بناء الزهراء — لم يُقتبس لتصحيف في النص